استئناف التاريخ

26 November 2011

كأن القدَر كان يتواطأ مع التاريخ في سيدي بوزيد ليوجّه الضربة القاضية لنظريّة «نهاية التاريخ»، التي جاء بها فرانسيس فوكوياما، الأميركي الياباني الأصل، في أعقاب انهيار الكتلة الاشتراكية، أوائل التسعينات، مبتسراً بكثير من السذاجة ماركس وهيغل بقوله إن «التطور المضطرد للمجتمعات البشرية لا يسير إلى ما لا نهاية، وإنما هو محكوم بتوصل الإنسان إلى شكل محدد لمجتمعه يرضي احتياجاته الأساسية، وعندما يتم التوصل إلى هذا الشكل يتوقف التطوّر، أو بمعنى آخر يتوقف التاريخ».

خصّص فوكوياما كتاباً لشرح موضوعته في شأن «نهاية التاريخ»، ملخّصاً فكرته بعبارة: «لا أقصد توقف استمرارية الأحداث أو تواترها، حتى الضخم أو المروع منها، وإنما توقف التاريخ كما أفهمه ويفهمه الكثيرون غيري باعتباره تجربةً بشرية تتطور بشكل متصل ومتماسك».

والحال أن فكرة «نهاية التاريخ» باتت على مدار العقدين الماضيين الناظم الخفي وراء سلوك النظم عموماً، وليس العربية منها فحسب، التي اطمأنّت إلى الفكرة، وركنت إليها، فأرادت أن تتلمّس سبل حجز مقعد لها في قطار التاريخ بمساره الناجز المنتهي، الخالد المخلّد. فلجأت هذه الحكومات، في ما لجأت، إلى منهجية الاستعانة بما يسمى «بيوت الخبرة» العالمية، مثل: «ماكينزي آند كومباني»، و «برايس ووتر هاوس كوبرز»، وما شابه، ليس لمساعدتها فحسب في وضع استراتيجيات لحوكمة بعض الهيئات والمؤسسات الحكومية، وإنما في كثير من الأحيان لتعهيدها رسم الخطط الاستراتيجية للدولة بكاملها، على مختلف قطاعاتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنيّة، والدفاعية أحياناً.

نتلمّس هذه المنهجية وذلك الناظم في دول عديدة، من أقصى شرق المعمورة، مروراً بسنغافورة وماليزيا وفيتنام والصين وبدول عربية خليجية وغير خليجية، وبدول ومقاطعات أوروبية، وصولاً إلى دول وولايات أميركية، غرب المعمورة.

والواقع أن «بيوت الخبرة» تعاملت مع المعضلات المعروضة أمامها، وفي كل حالة على حدة، بمنتهى الاحترافية. فتناولتها على أنها مسائل مثلّجة، وردت في ورقة امتحانات جامعية، لتقدّم بالنهاية مجموعة متكاملة قدر الإمكان من الحلول الأكاديمية التكنوقراطية، مدروسة من حيث الجدوى الاقتصادية، مشفوعة بجداول ومخططات بيانية عن مكامن القوة والضعف وعن الفرص والمخاطر، أو SWOT، كما يصطلح عليه في عالم الأعمال.

أدركت بعض الدول القصور التي يعتور هذه الدراسات، فبادرت إلى إنشاء «مستوعبات فكرية» مساندة، تتلمس الواقع الاجتماعي والاقتصادي عن كثب، كي تقدّم اقتراحاتها ودراساتها في شأن ما تتطلبه الخطط الاستراتيجية من تعديل أو تدقيق. إلا أن السويّة الأكاديمية والتكنوقراطية العالية التي قدمتها «بيوت الخبرة»، ورغم كل جهودها التي بذلتها للاعتماد على مؤشرات وبيانات واستقصاءات ومسوحات تجريها هذه المؤسسة البحثية أو تلك، فقد ظلّت في حدودها العاجيّة الضيقة، التي تنفصل بلوح زجاجي بارد سميك عن قوى المجتمع المدني. ينطبق هذا كثيراً على البلدان العربية، التي جنت منها «بيوت الخبرة» أموالاً طائلة لقاء دراساتها وخططها. وإذا حظيت بعض الدول المذكورة، بفضل قدرتها على الإنفاق، بنسخة أصيلة من هذه الدراسات، أعدت خصيصاً لواقعها، فإن دولاً أخرى استنسخت التجربة استنساخاً مجتزءاً، لتسفر النتائج عن خطط شوهاء لا تخلو من بعض البلاهة. والتجربة الاقتصادية الاجتماعية السورية، المحكومة بتحالف سياسي مالي أمني، شكّلت خلال العقد الماضي، إلى جانب التجربة التونسية، مثالاً واضحاً عن هذا الاستنساخ.

والصفعة التي تلقّاها البوعزيزي فدفعته إلى إحراق نفسه تحوّلت في الواقع إلى صفعة لمجمل هذه الخطط، حين تمخّضت عن شعار «الشعب يريد». و«الشعب الذي يريد» لا يعرف الكثير عن «برايس ووتر هاوس كوبرز» أو غيرها، وربما لم يسمع عنها أساساً. وإذا كانت بعض قيادات هذا «الشعب الذي يريد» تمتلك تجربة في التواصل الاجتماعي وبناء المؤسسات ونماذج الأعمال وخطط الشركات، فإن الدوافع الأساسية لهذه القيادات كانت الحرية والكرامة، بكل ما تمتلكه هاتان الكلمتان من أبعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية ودفاعية.

انطلقت «الشعب يريد» لتتخطى الحدود وتصل بلدان عربية عديدة من المحيط إلى الخليج، بل تخطّت تابوهات السياسة والأمن لتصل إلى قلب تل أبيب، ولعلّها كانت تُنطق بالفارسية أثناء انتفاضة الشعب الإيراني السلمية، في 2009، والتي قوبلت بسياسة أمنية دموية شرسة. إلا أن المدهش حقاً هو انتقالها عبر البحار. فليس من دون مغزى عبور عبارة «الشعب يريد» مضيقَ جبل طارق إلى قلب مدريد، وعبورها مؤخراً أوقيانوس بحر الظلمات إلى نيويورك، وإلى وول ستريت تحديداً، بما تمثّله من «هيكل» أو «قدس أقداس» للنظام الرأسمالي.

بالطبع، لا يقتصر تهافت نظريّة فوكوياما حول «نهاية التاريخ» على تأكيده أن «لا تقدّم أو تطور بعد اليوم في ما يتعلق بالمبادئ والمعتقدات والمؤسسات»، فثمة جوانب عديدة أخرى. لكن وبالمقابل، يبدو من باب النكتة السياسية، وإلا فمن باب السذاجة، القول إن نبوءة القذافي بحلول عصر الجماهير قد تحققت، ليكون هو أول قتلاها من القادة.

لقد استأنفت الثورات التاريخ، واستأنفته من مدخل المبادئ والمعتقدات والمؤسسات تحديداً. صحيح أنها لم تئِد فكرة الاستعانة ببيوت الخبرة، فليس المطلوب منها أن تئدها في مسيرتها لوضع خطط التطور الاستراتيجي الوطنية لبلدانها، لكن ينبغي وضع هذه البيوت في موضعها الحقيقي الصحيح كاستشاري من الدرجة الثانية أو الثالثة، وأن لا تظفر بعد الآن بدور باتّ قاطع في هذه الخطط. فالشعب يريد، والقوى المجتمعية تريد، والمجتمع المدني يريد. ومن الضروري الاستجابة، إن لم يكن الرضوخ، لبيتٍ معروف ومجرّب، يمتلك باعاً طويلاً من الخبرة، ألا وهو الشعوب ومسيرة التاريخ غير المتناهية.

نشرت في صحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 26 فبراير/ تشرين الثاني 2011

شهيد الصحافة علي حسن الجابر

14 March 2011

شهيد بنغازي: علي حسن الجابر رئيس قسم التصوير في قناة الجزيرة

شهيد بنغازي: علي حسن الجابر رئيس قسم التصوير في قناة الجزيرة

يأبى الدم العربي إلا أن يختلط بتراب أوطاننا ماحياً حدود الخارطة…

وتأبى الصورة إلا أن تقدّم أضحيتها في محراب الصحافة..

فلتتسامى ذكراك أيها الشهيد قرباناً في مذبح حرية الوطن وكرامة المواطن.

ليبيا.. التلكّؤ والتفويض والابتزاز

11 March 2011

ليبيا.. التلكّؤ والتفويض والابتزاز

 

صرّح مدير المخابرات الوطنية الأمريكية، جيمس كليبر، أن الكفة ترجح لصالح النظام الليبي. وجاءت تصريحات كليبر يوم أمس الخميس أمام لجنة تابعة لمجلس الشيوخ، وقال فيها: “إن قوات العقيد معمر القذافي باتت هي المسيطرة”. (اقرأ التصريح هنا).

 

. ليبيا    ثورة مدنية أولاً.. ثورة مدنية أخيراً

.ليبيا... ثورة مدنية أولاً.. ثورة مدنية أخيراً

يبدو هذا التصريح لأول وهلة مفاجئاً، وناشزاً، وغير متسق مع المداولات الغربية، والتصريحات، والإعلانات، التي ما فتئت تبدي منذ بداية ثورة أبناء المختار، جعجعة بدون طحين، أوروبياً وأمريكياً وأطلسياً.

يتحدثون عن فقدان نظام القذافي لشرعيته، ويتحدثون عن “ما قد يرتقي إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية”، ولكنهم لم يملّوا بعد من إظهار الكياسة القانونية، والحرص الأخلاقي على عدم المس بالقانون الدولي، الذي قد ينطوي عليه فرض منطقة حظر طيران في ليبيا.

فتارة يتحدث الناتو، وتارة تتحدث هيلاري كلينتون، وتارة يتحدث آخرون عن الإمكانات الفنية لتطبيق مثل هذه المنطقة، أو عن ضرورة حصولهم على مرجعية دولية قبل الإقدام على تدخّل عسكري.

ولعلّ أسطع مثال على ذلك، ما قاله رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني بأن إيطاليا” منسجمة تماماً مع المسار الذي يقرره المجتمع الدولي” و”لكن، وقبل اتخاذ أي قرار بشأن ذلك علينا الانتظار، لنرى ما الذي سيحدث في طرابلس” الغرب. و”علينا الحذر الشديد في هذه اللحظة، لأن الوضع في ليبيا في تطور مستمر”.

واليوم باتوا يتحدثون عن ضرورة وجود معطيات قوية على الأرض، وعن ضرورة أن يتوفر “تفويض” عربي، وعن ضرورة أن يتوفر غطاء أممي أيضاً.

 

فلماذا هذا التلكؤ؟

دعونا نذكر أن “العراق 2003″ لم يشهد مثل تلك المداولات.

ودعونا نذكر أن مسألة تجميد الأصول والأموال لم تشهد تردداً مماثلاً من قبل أي من تلك الجهات. فمنذ أصدر مجلس الأمن وبالإجماع يوم 26 فبراير/ شباط الماضي القرار رقم 1970 الذي تضمن حزمة عقوبات على ليبيا كان أبرزها تجميد الأرصدة الليبية بالخارج، توالت قرارات العديد من الدول بتجميد الأصول الليبية.

أما إجراءات فرض منطقة حظر على الطيران فهي أمر آخر. لماذا؟

1.     تمثّل ليبيا حالة ثالثة يقف فيها الغرب موقفاً انتهازياً متردداً حيال ثورات الشعب العربي في شمال أفريقيا. فهو غير مستعد لهذا التسونامي العربي الثوري الذي قوّض الاستراتيجية الأمريكية والغربية السابقة في منطقة الشرق الأوسط، والتي لا يبدو أنها كانت تتضمن خططاً بديلة لتغيرات ثورية كبرى، اتساعاً وعمقاً، كالتي حدثت في تونس ومصر.

2.     تمثل ليبيا كنزاً نفطياً يسيل له لعاب الغرب، فلا تريد أمريكا أو إيطاليا أو إنجلترا أو فرنسا أن تغامر بمصالحها الكبرى هناك، ولو كان ذلك حقناً لدماء بشرية آدمية.

3.     تقع ليبيا في موقع جغرافي وسط، بين بلدين ناهضين واعدين، لم تتلمس بعد أمريكا، وأوروبا، ملامحهما، وهما مصر العربية وتونس.

 

ماذا تريد أمريكا؟

على الرغم من الكلمة الرومانسية الجميلة التي ألقاها باراك أوباما، والعبارات القوية التي ألقاها سيلفيو برلسكوني في أعقاب أول انتصار حققته الثورة المصرية في خلع الرئيس حسني مبارك، فإن أمريكا هي أمريكا، وبرلسكوني هو برلسكوني.

1.     ثوار المختار يرفضون أن يطأ ترابهم الوطني أي جندي أجنبي. وهذا موقف لا يرضي أمريكا، التي تستبيح العديد من البلدان العربية وغير العربية. فإحجام أمريكا عن فرض حظر الطيران هو أقرب إلى إحجامها عن تقديم مساعدة غير مشفوعة بموطئ قدم لها على الأرض، بشكل أو بآخر.

2.     يبدو ثوار المختار وكأنهم يتجهون إلى موضع حرج، يجعل من تقسيم البلاد نوعاً من الأمر الواقع. وبالتالي فإن إبقاءهم بهذا الوضع يحافظ على وجود بؤرة غير صحية في خاصرة مصر العربية وعلى حدود تونس، بؤرة قد يراها الأمريكيون أداة مفيدة لهم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي يجري إعدادها حالياً لشمال أفريقيا.

3.     إن انتصاراً ثالثاً للشعب العربي في شمال أفريقيا قد يزيد من ارتباك السياسة الأمريكية وحيرتها. فأن تأتي هزيمة القذافي من خلال عملية قيصرية يتمخض عنها بلد مدمر، مهدد بحرب أهلية قبلية، يتيح لأمريكا أن تجد لها مرتعاً للعب دور أكبر في منابع النفط، وفي خاصرتي مصر وتونس.

 

ما الذي ينبغي على ثوار ليبيا أن يفعلوه الآن؟

1.     عودة الجماهير إلى التظاهر في شوارع المدن الليبية. سواء التي يديرها المجلس الانتقالي أو التي تقع تحت سيطرة كتائب القذافي. فمن الضروري أن تحافظ الثورة على طابعها التغييري المدني.

2.     أن يكف الجميع عن الحديث بلغة مناطقية أو قبلية أو عشائرية، والعودة فوراً إلى الحديث الوطني. فالقذاذفة هم أبناء ليبيا مثلهم في ذلك مثل جميع أهل ليبيا.

3.     أن يحافظ الثوار، في تحركاتهم العسكرية، على نهج وروح يتسامون فيها عن أي انتقام أو تقتيل أو تمثيل أو أي ممارسة من شأنها أن تشوه صورة الصراع القائم الآن في ليبيا.

4.     أن يصر الثوار صراحة على عدم التدخل، سواء بدخول القوات أو بشن الغارات.

5.     أن يلعب المجلس الوطني الدور ذاته الذي يلعبه المجلس العسكري في مصر. أي أنه ليس سوى سلطة انتقالية تعمل على تنفيذ مطالب شباب 17 فبراير فحسب.

 

الأمر باختصار، هو أن أمريكا تريد “تفويضاً”، لا تلبية مطالب لحركة شعبية لا تعرف أين حدود التغيير الذي ستجريه في أكبر بلد نفطي أفريقي، وأوسع شريط ساحلي متوسطي.

وفي هذا الإطار يمكننا فهم ما قاله كليبر أمام مجلس الشيوخ، فهو جزء متّسق من جوقة ابتزاز رخيص تتعرض له الثورة، قد يثير الهلع في صفوف الثورة، فيقبلون بالتفويض والتدخل كما تراه أمريكا مناسباً.

نعم.. يبدو أن المجتمع الدولي يغمض عينيه حالياً، ومرة أخرى، عن دماء شباب ليبيا.